ابن عجيبة
302
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ثم حذّر من الشّحّ ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 268 ] الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ( 268 ) قلت : يقال : وعدته خيرا ووعدته شرا ، هذا إن ذكر الخير أو الشر ، وأما إذا لم يذكر فيقال في الخير : وعدته ، وفي الشر : أو عدته ، قال الشاعر : وإنّى وإن أوعدته أو وعدته * لمخلف إيعادى ومنجز موعدي « 1 » و ( الفحشاء ) هنا : البخل والشح . يقول الحق جل جلاله : الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ أي : يخوفكم الْفَقْرَ بسبب الإنفاق ، ويقول في وسوسته : إن أعطيت مالك بقيت فقيرا تتكفف الناس ، وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ أي : ويأمركم بالبخل والشح ، والعرب تسمى البخيل فاحشا ، وفي الحديث : « البخيل بعيد من اللّه ، بعيد من الناس ، بعيد من الجنة قريب من النار . والسخي قريب من اللّه . قريب من الناس ، قريب من الجنة ، بعيد من النار . ولجاهل سخىّ أحبّ إلى اللّه من عابد بخيل » . وفي حديث آخر : « إنّ اللّه يأخذ بيد السخىّ كلما عثر » . وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ في الإنفاق مَغْفِرَةً مِنْهُ لذنوبكم ، وسترا لعيوبكم ، وَفَضْلًا أي : خلفا أفضل مما أنفقتم في الدنيا والآخرة ، وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ، وَاللَّهُ واسِعٌ الفضل والعطاء ، عَلِيمٌ بما أنفقتم ، ولما ذا أنفقتم ، وفيما أخلصتم ، لا يخفى عليه شئ من أموركم . الإشارة : إذا توجه المريد إلى اللّه تعالى ، وأراد سلوك طريق التجريد والزهد والانقطاع إلى اللّه تعالى ، تعرض له الشيطان ، اختبارا منه تعالى وابتلاء ، إذ الحضرة محروسة بالقواطع ؛ ليظهر الصادق في الطلب من الكاذب ، فيخوفه من الفقر ، ويأمره بالوقوف مع الأسباب والعوائد ، وهي أفحش المعاصي عند الخواص ، إذ الهمة العالية تأنف عن الاشتغال بغير الحضرة الإلهية . واللّه يعدكم - أيها المتوجهون إليه - مغفرة لذنوبكم ، وسترا لعيوبكم ، فيغطى وصفكم بوصفه ، ونعتكم بنعته ، فيوصلكم بما منه إليكم من الفضل والجود ، لا بما منكم إليه من المجاهدة والمكابدة ، وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً ، ( واللّه واسع ) الجود والإحسان ، ( عليم ) بمن يستحق الفضل والامتنان .
--> ( 1 ) البيت لعامر بن طفيل .